البغدادي

154

خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب

وفقيه الشّيعة ، وحافظ القرآن ، وكان ثبت الجنان ، وكان كاتبا حسن الخطّ ، وكان نسابة ، وكان جدليّا . وهو أول من ناظر في التشيّع مجاهرا بذلك ، وله في أهل البيت القصائد المشهورة ، وهي أجود شعره . وكان في صغره ذكيّا لوذعيّا . يقال إنه وقف وهو صبي على الفرزدق وهو ينشد ، فأعجبه سماعه ، فلما فرغ قال : يا غلام كيف ترى ما تسمع ؟ قال : حسن يا عمّ . قال : أيسرك أني أبوك ؟ قال : أما أبي فلا أبغي به بدلا ، ولكن يسرني أنك أمي ! فحصر الفرزدق وقال : ما مرّ بنا مثلها . وحكى صاعد ، مولى الكميت ، قال : دخلت مع الكميت على عليّ بن الحسين رضي الله عنه فقال : إني قد مدحتك بما أرجو أن يكون لي وسيلة عند رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . ثم أنشده قصيدته التي أولها « 1 » : ( الخفيف ) من لقلب متيّم مستهام * غير ما صبوة ولا أحلام فلما أتى على آخرها قال له : ثوابك نعجز عنه ، ولكن ما عجزنا عنه فإن اللّه لا يعجز عن مكافأتك : اللهم اغفر للكميت ، اللهم اغفر للكميت . ثم قسّط له على نفسه وعلى أهله أربعمائة ألف درهم وقال له : خذ يا أبا المستهلّ . فقال له : لو وصلتني بدانق « 2 » لكان شرفا لي ولكن إن أحببت أن تحسن إليّ فادفع إليّ بعض ثيابك التي تلي جسدك أتبرّك بها . فقام فنزع ثيابه ودفعها إليه كلّها ، ثم قال : اللهم إنّ الكميت جاد في آل رسولك وذرية نبيك بنفسه حين ضنّ الناس ، وأظهر ما كتمه غيره من الحق ؛ فأحيه سعيدا ، وأمته شهيدا ، وأره الجزاء عاجلا ، وأجزل له جزيل المثوبة آجلا ؛ فإنّا قد عجزنا عن مكافأته . قال الكميت : ما زلت أعرف بركة دعائه . وحدّث محمد بن سهل قال : دخلت مع الكميت على جعفر الصادق في أيام التشريق فقال : جعلت فداءك ، ألا أنشدك ؟ قال : إنها أيام عظام . قال : إنها

--> ( 1 ) مطلع هاشميته الأولى ص 11 . والميتم‌ها هنا : المستعبد . ( 2 ) الدّانق : سدس الدرهم ، معرب ( دانه ) .